ابن عجيبة

594

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

فَاسْتَجابَ لَهُ رَبُّهُ : أجاب دعاءه الذي تضمنه كلامه ، فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ حيث ثبته على العصمة حتى وطن نفسه على مشقة السجن ، وآثرها على اللذة الفانية ؛ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ لدعاء الملتجئين إليه ، الْعَلِيمُ بإخلاصهم أو بما يصلح بهم . الإشارة : الحب إذا كان على ظاهر القلب ، ولم يخرق شغافه ، كان العبد مع دنياه ، وآخرته ، بين ذكر ، وغفلة . فإذا دخل سويداء القلب ، وخرق شغافه نسي العبد دنياه وأخراه ، وغاب عن نفسه وهواه ، وضل في محبة مولاه . ولذلك قيل لعاشقة يوسف : ( إنا لنراها في ضلال مبين ) أي : في استغراق في المحبة حتى ضل عنها ما دون محبوبها . ومنه قوله تعالى : وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدى « 1 » أي : وجدك ضالا في محبته ، فهداك إلى حضرة مشاهدته ومقام قربه ، فكان قاب قوسين أو أدنى . وعلامة دخول المحبة شغاف القلب أربعة أشياء : الاستيحاش ، والإيناس ، وذكر الحبيب مع الأنفاس ، وحضوره مع الخواطر والوسواس . وأنشدوا : تاللّه ما طلعت شمس ولا غربت * إلّا وذكرك مقرون بأنفاسي ولا جلست إلى قوم أحدّثهم * إلّا وأنت حديثي بين جلّاسى ولا شربت لذيذ الماء من ظمأ * إلا رأيت خيالا منك في الكأس إن كان للنّاس وسواس يوسوسهم * فأنت واللّه وسواسى وخنّاسي لولا نسيم بذكراكم أفيق به * لكنت محترقا من حرّ أنفاسى وقال آخر : خيالك في وهمي ، وذكرك في فهمي * ومثواك في قلبي ، فأين تغيب ؟ قوله تعالى : ( فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن . . . . ) الآية : أدهشتهم طلعة يوسف ، وجماله الباهر . وزليخا لما استمرت معه لم تفعل شيئا من ذلك . كذلك المريد إذا استشرف على أنوار الحضرة وجمالها ، أدهشته وحيرته ، فلو لا التأييد الإلهى ما أطاقها ، فإذا صبر على صدماتها واستمر مع تجليات أنوارها ذهب دهشه ، واطمأن قلبه بشهود محبوبه من وراء أردية العز والكبرياء ، وهذه هي الطمأنينة الكبرى والسعادة العظمى . وقوله تعالى : ( قال رب السجن أحب إلىّ ) ، هكذا ينبغي للعبد أن يكون ؛ يختار ما يبقى على ما يفنى ؛ فرب شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا ، ورب صبر ساعة أورثت نعيما جزيلا . وباللّه التوفيق .

--> ( 1 ) الآية 7 من سورة الضحى .